علي بن محمد البغدادي الماوردي

102

أدب الدنيا والدين

والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن « 1 » منها وحملتها ولا أدري أسيء فيها أم أحسن . ثم جعل لها شروطا لازمة من رفع حدث وإزالة نجس ليستديم النظافة للقاء ربه والطهارة لأداء فرضه ثم ضمنها تلاوة كتابه المنزل ليتدبر ما فيه من أوامره ونواهيه ويعتبر إعجاز ألفاظه ومعانيه ثم علقها بأوقات راتبة وأزمان مترادفة « 2 » ليكون ترادف أزمانها وتتابع أوقاتها سببا لاستدامة الخضوع له والابتهال إليه فلا تنقطع الرهبة منه ولا الرغبة فيه وإذا لم تنقطع الرغبة والرهبة استدام صلاح الخلق وبحسب قوّة الرغبة والرهبة يكون استيفاؤها على الكمال والتقصير فيها عن حال الجواز وقد روي عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم « الصلاة مكيال فمن وفى وفي له ومن طفف « 3 » فقد علمتم ما قال اللّه في المطففين » . وروي عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « من هانت عليه صلاته كان على اللّه عز وجل أهون » . وأنشدت لبعض الفصحاء في ذلك : أقبل على صلواتك الخمس * كم مصبح وعساه لا يمسي واستقبل اليوم الجديد بتوبة * تمحو ذنوب صحيفة الأمس فليفعلن بوجهك الغض « 4 » البلى * فعل الظلام بصورة الشمس ثم فرض اللّه تعالى الصيام وقدّمه على زكاة الأموال لتعلق الصيام بالأبدان وكان في إيجابه حث على رحمة الفقراء وإطعامهم وسدّ جوعاتهم لما عانوه من شدّة المجاعة في صومهم . وقد قيل ليوسف على نبينا وعليه السلام : لم تجوع وأنت على خزائن الأرض فقال : أخاف أن أشبع فأنسى الجائع . ثم لما في الصوم من قهر النفس وإذلالها وكسر الشهوة المستولية عليها وإشعار النفس ما هي عليه من الحاجة إلى يسير الطعام والشراب والمحتاج إلى الشيء ذليل به وبهذا احتج اللّه تعالى على من اتخذ عيسى على نبينا وعليه السلام

--> ( 1 ) وأشفقن : خفن . ( 2 ) مترادفة : متعاقبة . ( 3 ) طفّف : نقص . ( 4 ) الغض : الطري .